

لم يَغِبْ هذا الخَبَر عن بإلى حتى التقيتُ بـ ‘’يانس’’ وسألتُه - بِحُكْمِ علاقة الفيلم باليونان- عن رأيه عما يُقَالُ هنا وهناك من انتقاداتٍ للفيلم، فأجابني بأنَّ الفيلم يتكلمُ عن إسبرطة وبالتحديد عن معركة ‘’ثيرموبايلي’’ التي دارت رَحَاها بين الفرس ومجموعةٍ من الإسبرطيين، فتَطَرَقَ قائلاً في البداية إن اسبرطه لا تبعد عن مسقط رأسه ‘’بولينوميو’’ إلا 60 كيلومترا فقط، وهي المدينة التاريخية التي خرج منها ليونايدس بطل الفيلم والذي قدم ملحمة اسطورية وقف فيها مع ثلاثمائة من جنوده في مواجهة مئات الآلف من جنود الإمبراطورية الفارسية التي أقدمت على مهاجمة اليونان تلك الفترة.
انتابتني حينها رغبةٌ عارمة لمشاهدة هذا الفيلم، وأدركتُ أنه بمشاهدتي هذه سأتمكنُ من الولوج في مَفْصَلٍ من مفاصلِ التاريخ الإغريقي مما سيزيدُ من تَنَوُّع خُيوطِ الثقافة التاريخية في نفسي وعقلي ويَحُثُّني ذلك بطريقةٍ أو بأخرى على سبرِ الأغوارِ السحيقة في حياة الأمم والشعوب والبحث والتدقيق في الحوادث التاريخية، كما ولَمَعتْ في عقلي فائدةٌ لا تقل شأناً عما ذكرتُ ألا وهي استكشافُ شخصيةِ صديقي الإسبرطي ‘’يانس’’ والاستزاده مما يَمْلُكه من معلوماتٍ وبدأتُ مرحلةً أتقمصُ فيها شخصية إسبرطية ولو لفترةٍ معينةٍ من أجل فهم تلك الحضارة، في النهاية يا أصدقائي شاهدتُ الفيلم والشيءُ العَجيب أنني لاحظتُ بعد مشاهدتي للفيلم ازديادَ توهجِ العزمِ عندي على زيارةِ اليونان وخصوصا مدينة إسبرطة، وهذا هو السببُ الذي دعاني لتغيير عنوان سلسلة مقالاتي هذه إلى ‘’الطريق إلى اسبرطة’’ بعد ان كان ‘’الطريق إلى اليونان’’، فالنيةُ التي بيَّتُها وساعدني يانس في ترسيخها وتثبيتها وزادَها الفليمُ لَمعَاناً تَحَوَّلَتْ لِعزمٍ مُتَوهِجٍ يَدفعُني لزيارةِ هذه المدينة التاريخية.
ومن خلال متابعتي للفيلم يمكنني تلخيصه بِذِكرِ بعض ما دار فيه من أحداثٍ ووقائع تاريخيةٍ حدثت في بلاد الإغريق في السنة 480 قبل الميلاد، حيثُ إن إمبراطورية الفرس غزت معظم الشرق واحتلته ووصلت إلى اليونان عن طريق البحر حينها أرسل ملك الفرس مبعوثاً إلى ملك إسبرطة ليونايدس ليَدِينَ له بالولاء ووعده بأنه سيعينه حاكما بأمره على كافة أرجاء أوروبا بعد احتلالها، ولكن ليونايدس رفض هذا العرض وعقد النية لمواجهة جيش الفرس رغم معارضة الآلهة حسب زعم رجال الدين الإسبرطيين حينما استشارهم لخوض حربٍ للدفاع عن إسبرطة، ولكن ليونايدس ضرب بكلامهم عرض الجدار واتَّجَه مع 300 جندي من أتباعه إلى البواباتِ الحارة قُبَالَة البحر وخاض ضد جيش الفرس المكون من مئات الآلاف من الجنود معارك عدة أهمها معركة ‘’ثيرموبايلي’’ والتي قُتِلَ فيها ليونايدس هو ومن معه بعد أن قَتَلَ الكثير من الفرس وأصاب جيوشهم بالخوف والهلع، وإن الفيلم في رأيي الشخصي غايةً في الروعة خصوصاً مع استخدام مؤثرات الصورة والصوت التي تُعطِيه رَونقاً خاصاً وتَزيدُ المُشاهِد اندماجاً لأحداث الفيلم، كما أُعجبتُ بشخصيةِ ليونايدس ونبراته وصرخاته ونظراته حيث أظهره الفيلم بأنه استبسل دفاعاً عن أرضه وأهله ومبادئه، واستنكرت ما صوره الفيلم عن شخصية قوروش أنه حارس ملهى ليلي يعتمد على بَثِ الجنس وإشباع البطون واستعباد جنوده في حُكْمِه، وأفرز الإعجاب والاستنكار عندي مقاربات معينةٍ مما جعلني أُعيدُ النظر في التفكير بشأن الانتقادات الموجهة للفلم ومحاولة تحليلها بصورة منطقية أكثر والوصول لنتيجة تفيدني وتزيد في ثقافتي.
ولو ألقينا نظرة المتفحص على كتب ومراجع التاريخ سنجده يذكر أنه في نحو سنة 600 قبل الميلاد كانت الامبراطورية الاخمينية (ايران) في قمتها، وغزا قورش الاكبر الاناضول (تركيا)، وكنعان (الشام)، وبابل (العراق). وبعد ذلك غزا قمبيز، ابن قورش، مصر. وبعد خمسين سنة اخرى، حاول حفيده داريوس غزو اليونان، لكن اليونانيين انتصروا عليه في معركة ‘’ماراثون’’. وبعد خمسين سنة اخرى، كرر المحاولة قورش الصغير، ابن داريوس، ونجح هذه المرة، واحتل اثينا واسبارطة، لكن لسنوات قليلة.
وقبل ان يحتل جيش قورش اليونان، انهزم امام ملك اسبارطة في معركة صغيرة في ‘’ثيرموفلي’’ سنة 480 قبل الميلاد. كانت هزيمة مؤقتة، لكنها اشتهرت لأن هيرودوتس، مؤرخ يوناني، كتب تفاصيلها، ومنها ان 300 جندي يوناني فقط هزموا عشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين.
هذا الطرح يمثل جانبين، الجانب السينمائي والجانب التاريخي ونتيجة لمشاهدة الفيلم والمراجعة التاريخية لأحداث هذه المعركة وما سبقها وما تلاها من أحداث مرت على الإغريق ونظرا لما تناقلته الصحف والمنتديات والمدونات وما يدور من حديث بين أي شخصين عن أحداث الفيلم وما قيل عنه مدحا أو ذما، فضلت أن اناقش أكثر للوصول للحقيقة وتوصلت بعد النقاش لبعض النتائج سأتطرق لها في الحلقة المقبلة إن شاء الله.









