غربة كوكب

كيف يمكنني وصف كوكب تاه في الغربة و التأمل... علاء الملا

الطريق إلى اسبرطة -2

 
 

 
 
تحدثتُ في الحَلقَةِ الماضية من هذه السلسلة من المقالات عن اليونان وعلاقتها بالبحرين وذلك بأسلوبٍ حواريٍ هادف منقول عن قصةٍ واقعيةٍ تَدُورُ أحداثُها بيني وبين صديقي اليوناني ‘’يانس’’، أما هذه الحلقة فتبدأ أحداثُها عندما كُنتُ صباحَ أحدَ الأيام متوقفاً عند إحدى أسواق 24 ساعة المنتشرة في مُعْظمِ مَحْطات التَّزَوُّدِ بالوقود في مملكة البحرين، وكُنْتُ حينها أتناولُ شيئاً من الطعام ضِمنَ عادةٍ تَعوَّدتُها صباح كل يوم، وكان مذياعُ السيارةِ مضبوطاً على إذاعة بي بي سي العربية وشَدَّ انتباهي حينها خَبَرٌ عن فيلم الثلاثمائة مقاتل الذي انتجته هوليوود مؤخراً، وذكر في الخبر أنه حقق ايرادات عالية في أسابيع عرضه الأولى حتى الآن، وتابع الخبر القول بأن كل من شاهد الفيلم ربط بين الفيلم والأحداث السياسية التي اشتدت حديثاً بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وقِيلَ إن آراء معظهم عن الفيلم أنه يُسيءُ للشَعبِ الإيرانيِ ويُصَوِّرُهم بالعبيد والدَمَوِّيين، وقد نُقِلَ أيضاً عن كبارِ المسؤلين الإيرانيين قولهم إن أميركا تَشُنُّ حرباً نفسيةً على إيران وتستخدم هذا الفيلم لتَشْويه سمعة الشعب الإيراني.
لم يَغِبْ هذا الخَبَر عن بإلى حتى التقيتُ بـ ‘’يانس’’ وسألتُه - بِحُكْمِ علاقة الفيلم باليونان- عن رأيه عما يُقَالُ هنا وهناك من انتقاداتٍ للفيلم، فأجابني بأنَّ الفيلم يتكلمُ عن إسبرطة وبالتحديد عن معركة ‘’ثيرموبايلي’’ التي دارت رَحَاها بين الفرس ومجموعةٍ من الإسبرطيين، فتَطَرَقَ قائلاً في البداية إن اسبرطه لا تبعد عن مسقط رأسه ‘’بولينوميو’’ إلا 60 كيلومترا فقط، وهي المدينة التاريخية التي خرج منها ليونايدس بطل الفيلم والذي قدم ملحمة اسطورية وقف فيها مع ثلاثمائة من جنوده في مواجهة مئات الآلف من جنود الإمبراطورية الفارسية التي أقدمت على مهاجمة اليونان تلك الفترة.
انتابتني حينها رغبةٌ عارمة لمشاهدة هذا الفيلم، وأدركتُ أنه بمشاهدتي هذه سأتمكنُ من الولوج في مَفْصَلٍ من مفاصلِ التاريخ الإغريقي مما سيزيدُ من تَنَوُّع خُيوطِ الثقافة التاريخية في نفسي وعقلي ويَحُثُّني ذلك بطريقةٍ أو بأخرى على سبرِ الأغوارِ السحيقة في حياة الأمم والشعوب والبحث والتدقيق في الحوادث التاريخية، كما ولَمَعتْ في عقلي فائدةٌ لا تقل شأناً عما ذكرتُ ألا وهي استكشافُ شخصيةِ صديقي الإسبرطي ‘’يانس’’ والاستزاده مما يَمْلُكه من معلوماتٍ وبدأتُ مرحلةً أتقمصُ فيها شخصية إسبرطية ولو لفترةٍ معينةٍ من أجل فهم تلك الحضارة، في النهاية يا أصدقائي شاهدتُ الفيلم والشيءُ العَجيب أنني لاحظتُ بعد مشاهدتي للفيلم ازديادَ توهجِ العزمِ عندي على زيارةِ اليونان وخصوصا مدينة إسبرطة، وهذا هو السببُ الذي دعاني لتغيير عنوان سلسلة مقالاتي هذه إلى ‘’الطريق إلى اسبرطة’’ بعد ان كان ‘’الطريق إلى اليونان’’، فالنيةُ التي بيَّتُها وساعدني يانس في ترسيخها وتثبيتها وزادَها الفليمُ لَمعَاناً تَحَوَّلَتْ لِعزمٍ مُتَوهِجٍ يَدفعُني لزيارةِ هذه المدينة التاريخية.
ومن خلال متابعتي للفيلم يمكنني تلخيصه بِذِكرِ بعض ما دار فيه من أحداثٍ ووقائع تاريخيةٍ حدثت في بلاد الإغريق في السنة 480 قبل الميلاد، حيثُ إن إمبراطورية الفرس غزت معظم الشرق واحتلته ووصلت إلى اليونان عن طريق البحر حينها أرسل ملك الفرس مبعوثاً إلى ملك إسبرطة ليونايدس ليَدِينَ له بالولاء ووعده بأنه سيعينه حاكما بأمره على كافة أرجاء أوروبا بعد احتلالها، ولكن ليونايدس رفض هذا العرض وعقد النية لمواجهة جيش الفرس رغم معارضة الآلهة حسب زعم رجال الدين الإسبرطيين حينما استشارهم لخوض حربٍ للدفاع عن إسبرطة، ولكن ليونايدس ضرب بكلامهم عرض الجدار واتَّجَه مع 300 جندي من أتباعه إلى البواباتِ الحارة قُبَالَة البحر وخاض ضد جيش الفرس المكون من مئات الآلاف من الجنود معارك عدة أهمها معركة ‘’ثيرموبايلي’’ والتي قُتِلَ فيها ليونايدس هو ومن معه بعد أن قَتَلَ الكثير من الفرس وأصاب جيوشهم بالخوف والهلع، وإن الفيلم في رأيي الشخصي غايةً في الروعة خصوصاً مع استخدام مؤثرات الصورة والصوت التي تُعطِيه رَونقاً خاصاً وتَزيدُ المُشاهِد اندماجاً لأحداث الفيلم، كما أُعجبتُ بشخصيةِ ليونايدس ونبراته وصرخاته ونظراته حيث أظهره الفيلم بأنه استبسل دفاعاً عن أرضه وأهله ومبادئه، واستنكرت ما صوره الفيلم عن شخصية قوروش أنه حارس ملهى ليلي يعتمد على بَثِ الجنس وإشباع البطون واستعباد جنوده في حُكْمِه، وأفرز الإعجاب والاستنكار عندي مقاربات معينةٍ مما جعلني أُعيدُ النظر في التفكير بشأن الانتقادات الموجهة للفلم ومحاولة تحليلها بصورة منطقية أكثر والوصول لنتيجة تفيدني وتزيد في ثقافتي.
ولو ألقينا نظرة المتفحص على كتب ومراجع التاريخ سنجده يذكر أنه في نحو سنة 600 قبل الميلاد كانت الامبراطورية الاخمينية (ايران) في قمتها، وغزا قورش الاكبر الاناضول (تركيا)، وكنعان (الشام)، وبابل (العراق). وبعد ذلك غزا قمبيز، ابن قورش، مصر. وبعد خمسين سنة اخرى، حاول حفيده داريوس غزو اليونان، لكن اليونانيين انتصروا عليه في معركة ‘’ماراثون’’. وبعد خمسين سنة اخرى، كرر المحاولة قورش الصغير، ابن داريوس، ونجح هذه المرة، واحتل اثينا واسبارطة، لكن لسنوات قليلة.
وقبل ان يحتل جيش قورش اليونان، انهزم امام ملك اسبارطة في معركة صغيرة في ‘’ثيرموفلي’’ سنة 480 قبل الميلاد. كانت هزيمة مؤقتة، لكنها اشتهرت لأن هيرودوتس، مؤرخ يوناني، كتب تفاصيلها، ومنها ان 300 جندي يوناني فقط هزموا عشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين.
هذا الطرح يمثل جانبين، الجانب السينمائي والجانب التاريخي ونتيجة لمشاهدة الفيلم والمراجعة التاريخية لأحداث هذه المعركة وما سبقها وما تلاها من أحداث مرت على الإغريق ونظرا لما تناقلته الصحف والمنتديات والمدونات وما يدور من حديث بين أي شخصين عن أحداث الفيلم وما قيل عنه مدحا أو ذما، فضلت أن اناقش أكثر للوصول للحقيقة وتوصلت بعد النقاش لبعض النتائج سأتطرق لها في الحلقة المقبلة إن شاء الله.
 

الطريق إلى إسبرطة-1

 
 
قد يُثيرُ غموضُ عنوانِ مقالتي هذه استغرابَك عزيزي القارئ، ولكنَ كُلَ ما أرجوه منك أن تعذرني وتتمهل قليلاً وربما كثيراً لأوضح لك بعضاً من معانيه ورموزه، وأود ان أخبرك بأنك قد لا تعرف معناه الحقيقي إلا إذا تابعت سلسلة المقالات التي سأنشرها بنفس العنوان لاحقاً، سأوضح في البداية بأنَّ هذا العنوان كانَ أصلاً مُصَوغاً بصيغةٍ أُخرى ألا وهي’’ الطريقُ إلى اليونان’’ ولكن بسبب ظروفٍ ومواقفَ مُعيَّنة غَيَّرتَه إلى ‘’الطريق إلى اسبرطة’’.
اسمح لي عزيزي أولاً بأن أنْضَمَ إليكَ مُستَمِعاً لِما سأسْرِدُه في حلقاتي هذه الشبيهةَ بحلقاتِ ألفِ ليلةٍ وليلة، إنَّ اختياري يا صديقي لإسبرطة لم يكن عبثاً فهي تلك المدينة الإغريقية ‘’اليونانية’’ التي تقع في شبه جزيرة المورة جنوب اليونان. كانت اسبرطة من أقوى الدُوَيلات إبَّانَ حُكْم الدورين الغزاة الذين نافسوا أثينا. وكان سكانُ اسبرطة محاربين .
ووفقاً للأساطيرِ اليونانية، فمؤسسُ اسبرطة هو لاكديمون، ابن الإله زيوس وتاجيت، وهو سَمَّاها على اسم زوجته، ابنة يوروتاس .اشتهرت اسبرطة بقوة جيوشها في تاريخ اليونان القديم حيث كانت الأقوى حتى بَزَغَ نَجْمُ أثينا وتَحَولت لِتكونَ العاصمةَ اليونانية، كما أبْلَتْ أساطيرها البحرية بقوة وبسالة في الحروب ضد الفرس.
هذا تاريخٌ مختصر للتعريف باسبرطة، والحدث الأهم من ذلك أن جيشَ الثلاثمائة الذين قادَهُمْ الملك لِيونايدُس دفاعاً عن اسبرطة في مواجهة آلاف الجنود الفرس كانوا إسبرطيين أي من هذه المدينة. على أي حال سأبدأ في هذه السلسلة من المقالاتِ بلقاءٍ مليءٍ بالكثيرِ من الأحداث والحوارات المثمرة التي دارت بيني وبين صديقي الجديد الإسبرطي ‘’يانس’’، حيث يُمكنني وصفُ لقائي به بأنَّه كنزٌ ثمين وفرصةٌ نادرة لم أفكر يوما بأني قد أتَحَصَّل عليها فقد كان هذا التعارف مشوقاً لآخر الحدود، ولا أُبالغ إذا خِلتُه في يومٍ من الايامِ ضرباً من الخيال حيث إنني كنت ابحثُ عن شخصيةٍ كشخصيته المتوقدة لكلِ جديدٍ أخاذ، متعطشةٍ للثقافة والتاريخ والعلم والتقنية، وكنت منذ زمانٍ غيرَ بعيد راغبا في الإبحارِ في عبابِ حضارات العالمِ والتعرف على الإلتقائاتِ والمفاصلِ والمنعطفاتِ والتداخلاتِ بين دولَ ودويلات وممالك وجمهوريات هذه البسيطة منذ بُزُوغِ زهرةِ الحياة عليها، وما أعجبني واسْتَرَقَ لُبَّي في شخصِ هذا اليوناني الخمسيني حُبَه للتاريخ والثقافة على رغم كَونِهِ مُهندِساً يقضي جل وقته بين الخرائطِ في مواقع العمل فتصهره الشمسُ بِلهيبها تارةً وتُلامِسُ جسده نسماتِ الهواء إن هبَّت تارةً أخرى، ولستُ أدري بالضبط تفاصيل تَعرُّفِي عليه ولكني أذكر أنه في أوائلِ لقاءاتنا كان يريد وصف البحرين حسب قراءته لحقبات معينة من تاريخ البحرين كان قد اضطلع عليها في بعض المصادر من كتبٍ ومواقعٍ إلكترونية عندما وَطَأت قدماه هذه الارض الطَّيِبَة، ولا زِلتُ أذكُرَ أنَّه طَرَقَ البابَ الأقربَ لتاريخِ بلده ألا وهو’’تايلوس’’، حيث عُرِفَتْ البحرين بهذا الاسم لارتباطها بتاريخ الاغريق وقد سلَّطَ الضوءَ على تلك الحقبة، عندها أسَرَّ لي بسؤالٍ :- أتعرف ما معنى تايلوس؟ فنظرتُ إليه باستغرابٍ وقلت : في الحقيقة لقد دَرَسنا في المرحلة الإبتدائية عن هذا الاسم ولكني لا أذكُرَه ولكني سأُبحِر في شبكة الإنترنت لأجد المعنى، فبادرني قائلا:- إن اردت أن تبحث عن تايلوسِكم، إبحث أيضا عن تِيلوس وبيلوس وكَتَبَ لي كلماتٍ باللغة الإنجليزية متشابهةً في اللفظ واختلافها يكمن فقط في حرف اوحرفين.
ازدادت حِدَّةُ نظرات الغرابة مني لمَّا سمِعتُ بهذه الأسماء وسَاوَرَني شُعُورٌ بأنَّ وراءَ هذا الرجل شيئاً يُخفِيه، ولكن عند رجوعي بَحثتُ كما وعدتُ نفسي ووعدتُه عن تلك الأسماء ووجدت معلومات جديدة لم أكن قد عَهِدتُها من قبل، حيث إن تلك الأسماء التي أعطانيها كانت عبارةً عن مجموعةٍ من الجُزرِ في مسقط رأسه اليونان مازالت موجودةً بالإسماء نفسها. و أما عن مسمى ‘’تايلوس’’ أو ‘’تيلوس’’ حسب تسميته والتي سُمِيَّتْ بها البحرين في الحقب التي اتسع فيها النفوذ الإغريقي بعد تلاشي نفوذ الفرس فكما تَذْكُرُ موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية عن تاريخ البحرين بأنه ‘’في القرن الميلادي الأول، كانت البحرين تُسَمَّى ‘’تايلوس’’ من قِبَل الإغريق حينما قَدِمَ نيرخوس لاكتشافها، تنفيذاً لأمرِ الإسكندر الأكبر. وكانت تايلوس مركز تجارة اللؤلؤ. في حين سُمِيَّت جزيرة البحرين باسم ‘’تايلوس’’، سُمِيَّت جزيرةُ المحرق باسم ‘’أرادوس’’. الجدير بالذكر أن مدينة عراد الواقعة في محافظة المحرق الآن أخذت اسمها من ذلك المسمى.
وقد طلبت من صديقي اليوناني بأن أُعِدَ برنامجٍ نقوم فيه بزيارة متحف البحرين الوطني للاستزادة من المعلومات والاطلاع الأوسع ليس فقط على فترات تنامي النفوذ الإغريقي ولكن عن الحضارات التي احتضنتها وتفاعلت معها هذه الأرض الطيبة، وقد أفرحني جدا هذا الطلب لكونه سيرسخ تاريخ البحرين في صفحات ثقافة هذا الأسبرطي وسيزيده حبا لهذا الوطن المعطاء.

الملكة THE QUEEN

 

 
 

يتناول الفيلم موضوعا يبدو من الوهلة الأولى، محليا خالصا، موضوع يتعلق بموت الأميرة ديانا وموقف العائلة الملكية المعروف من هذا الحدث وتداعياته، ثم من الناحية الأخرى، كيف كان رئيس الوزراء الشاب الطموح توني بلير يفكر ويسعى إلى استغلال الموقف لتحقيق هدفين: الأول تأكيد دوره الشخصي كرئيس للحكومة أمام حزبه، وإسداء خدمة، يعتبرها كبيرة حقا للملكة وعائلتها، تساعد على إنقاذ صورتها أمام الرأي العام.

ويصور الفيلم الأحداث الصاخبة التي تتداعى منذ نجاح حزب العمال وتولي بلير رئاسة الحكومة في مايو 1997، ثم موت ديانا، ورغبة العائلة الملكية في اعتبار هذا الحدث الجلل مجرد "حدث شخصي" ترغب في أن تنأي بنفسها عنه، وانفجار الحزن الجماهيري العارم، وتصاعد غضب الشارع إزاء موقف الملكة وعائلتها من الحدث، وكيف يبذل بلير جهدا شاقا في اقناع الملكة بالعودة إلى لندن واقامة مراسيم تشييع رسمية لديانا والنزول لتهدئة الجماهير الغاضبة.

 

 

و راح أشوف الفلم هذي الأربعاء بتاريخ 4ابريل 2005 في نادي البحرين للسينما الساعة 8 مساء في الجفير و نتمنى نشوفكم هناك

 

تحياتي

علاء الملا



<<الصفحة الرئيسية
http://www.alarabiya.net/articles/2008/02/01/45029.html